الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

106

مرآة الحقائق

--> - أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [ الواقعة : 63 ، 64 ] . وبالزمن الثاني : استنتاج أرواح الستور ، وحجب نظر العيون ، وتأسيس أحكام الهندسة ، ومواد البناء من المفخّرة والمكلّسة . وبما قال عزّ اسمه : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [ لأعراف : 26 ] . وبالزمن الثالث : كان استنتاج أرواح الأوقات ، وأحكام الحركات والسكنات والانفعالات ، ومعارف مجاري الكواكب ، والرصد ، والخط ، والكتب ، والعدد . وبما قال عزّ اسمه : وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [ النحل : 16 ] . وبالزمن الربع : ما بين نوح إلى إبراهيم ، وقد تمّت الإشارة من علوم الفلاحة ، والهندسة والأرصاد والنجارة ، فلمّا تمت الحكمة الدنيا في الأرض والسماء ، وبلغ الزمان ، وانتهى إعلامه ، وتمّت أعوامه وأيامه ، وانتصبت أدلته وأعلامه ؛ ظهر في نوح عليه السّلام بدؤه وختامه ، وبما كان نوح آدم الوقت ، حذر النقمة والمقت ، فتغالبت الحيوانية ، وحكمت القوى الترابية ، وأبت الأنفس إلا الإدبار ، وقويت عصابة الكفّار ، وكان ذلك بحكم الحجاب الواقع ، والسبب المانع لعدم تنزيل الخليفة الذي هو مالك عالم الخيال وربّ الأشباح والأشكال ، ولكل زمان دولة ورجال ؛ ولأنه ليس بزمان نزوله ولا وقت تجلّيه وحصوله ، وذلك من أصل التخليق في الرحم ، وتنزّل أصول الأرواح بالكلم . ولذلك قال : وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [ نوح : 27 ] ومعنى قولنا التخليق في الرحم : إذا كمل استعداد المضغة ؛ يكون التنزيل ، والنفخ الروحاني بحكم صاحب الزمان من أي أفق كان ، وهذا من أسرار الحكم للوقت . فعلم صلّى اللّه عليه وسلّم أن النفخ الكائن بالكلم في الزمان المنصرم ؛ لا يصلح لاستعداد الزمن الثاني ولا هو محل للتقوّي الروحاني ، فانقضت حكمة التّمام ، حلّ ذلك العقد والنظام ، ولا بد من نقل الأصول من الحبّ والنوى ، ونقل الآباء والأبناء . قال تعالى : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [ هود : 40 ] . وبما كانت النشأة الآدمية من ماء وطين ، وكانت الحياة القائمة بالروح الحيواني هي بطانة الماء ، والروح بطانة النار ، والماء الذي هو ظاهر الحياة ماسك بزمام الرحمة ، فلك النار الذي هو بطانة الروح ، فلمّا استجيب الدعوة بسرّ الحكمة ؛ أعرضت الحياة التي هي باطن الرحمة ، فانحلّ الزمام الماسك ، ففعلت القوة النارية في الماء الذي تجرّد عن قوّته ، وخلا من مواسك حكمته فسجّره ، وفوّره ، وقطّره ، وفجّره . -